الشيخ السبحاني

367

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

مورد الآية ، وكثرة الثمار وشمول الخصب كما في مورد الفراعنة ، والسيئة بقول مطلق كالهزيمة في مورد البحث ونقص الثمرات وعموم الجدب في مورد الفراعنة ، كلها من اللّه سبحانه ، إذ لا مؤثر في الوجود إلّا هو ، ولا خالق غيره ، فما يصيب الإنسان مما يستحسنه طبعه ، أو يسوؤه كله من اللّه تعالى ، فهو خالق الأكوان والحوادث ، وإنّ سلسلة الوجود تنتهي إليه سبحانه . وبذلك يعلم أنّ المراد من الحسنة والسيئة نظير هذه الأمور لا الأفعال الاختيارية التي يقوم بها الإنسان في حياته فالآيات الواردة في هذا المجال منصرفة عنه ، فمقتضى التوحيد الأفعالي نسبة الكلّ إلى اللّه سبحانه . هذا هو وجه القضاء الأول . وأمّا الآية الثانية التي تفكك بين الحسنة والسيئة ، فتنسب الأولى إلى اللّه والسيئة إلى الإنسان فإنما هي ناظرة إلى مناشئهما ومباديهما ، فلا شك أنّ الإنسان لا يستحق بذاته شيئا من النعم التي أنعمها اللّه عليه ، وأنّ كل النعم والحسنات تصيبه تفضلا من اللّه سبحانه وكرامة منه ، ولأجل ذلك قال سبحانه : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ والخطاب وإن كان للنبي ، ولكنه من قبيل الخطابات القرآنية التي يخاطب بها النبي ويقصد منها كل الناس ؛ قال سبحانه : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 1 » . ومن هنا يركز القرآن على أنّ مبدأ الحسنة هو اللّه سبحانه . وأمّا السيئة فهي وإن كانت من عند اللّه ولكن لو استقرأ الإنسان مناشئ الهزائم والانكسارات أو البلايا والنوازل يجد أن المجتمع الإنساني هو المنشأ لنزولها ، وأخذهم بها . قال سبحانه : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » . وقد تقدم في البحث عند البداء ما يفيدك في المقام .

--> ( 1 ) سورة الزمر : الآية 65 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 96